إخوان الصفاء

22

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وهكذا قوة علم الإنسان ومعرفته بالأمور الماضية وأخبار الماضين مع الزمان البعيد ، لا يمكنه علمها إلّا ما قرب كونه من زمانه ، مثل معرفتنا بآبائنا وأجدادنا القريبين منا ، ومثل علمنا بأخبار بني إسرائيل ، وما كان بعد الطوفان أو قبل ذلك إلى آدم ، عليه السلام . فأما ما كان قبل آدم ، عليه السلام ، من أخبار الملائكة وقصة الجان الذين كانوا يفسدون في الأرض قبل خلق آدم ، عليه السلام ، فليس للبشر علم بها ولا لهم ميل إلى معرفتها ، إلّا من طريق الوحي عن الملائكة تسليما . وهكذا علم الإنسان بالأمور الآتية في الزمان المستقبل ، لا يمكنه معرفتها والاستدلال على كونها بدلائل النجوم ، إلّا ما يكون قريب الكون مثل استدلال المنجّمين بالقرانات التي تكون في كل عشرين سنة مرة ، وفي كل مائتين وأربعين سنة مرة ، وفي كل تسعمائة وستين سنة مرة . وأما القرانات التي تكون في كل ثلاثة آلاف وثمانمائة وأربعين سنة مرة ، وفي كل سبعة آلاف سنة ، فليس على معرفة الاستدلال بها على الكائنات سبيل لبعدها من الزمان المستقبل . وهكذا قوة عقل الإنسان متوسطة لا يقوى على تصور الأشياء المعقولة ، إلّا ما كان متوسطا بين الطرفين من الجلالة والخفاء . وذلك أن من الأشياء المعقولة ما لا يمكن عقل الإنسان إدراكه وإحاطة العلم به لجلالته وشدة ظهوره وبيانه ووضوحه ، مثل جلالة الباري ، عز وجل ، فإنه لا يقوى عقل الإنسان على إدراكه وإحاطة العلم بماهيّة ذات جلالته ، وشدة ظهوره ، ووضوح بيانه ، لا لخفاء ذاته وشدة كتمانه . ومثل عجز الإنسان عن تصوّر صورة العالم بكليته ، لشدة كبره وظهوره ، لا لصغره وخفائه . ومثل عجزه أيضا عن إدراك الصّور المجرّدة عن الهيولى لشدة صفائها ولطافتها ونفوذها في الأشياء . ومن الأشياء ما لا يمكن إدراكها وتصوّرها لخفائها ودقّتها وصغرها مثل الجزء الذي لا يتجزأ ، ومثل الهيولى الأولى المجرّدة من الصّور والكيفيات ،